Page 151 - web
P. 151
مقالات وآراء
قراءة في مستقبل الاستدامة البيئية
ودورها في تعزيز الأمن الوطني
لم يعد من الممكن تجاهل البيئة أو اعتبارها أمًًرا مسّّلًًما به عند صياغة د .ميادة مصطفى المحروقي
السياسات الأمنية الوطنية .فقد أصبح الإنسان قوة فاعلة في إعادة تشكيل جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية
محيطه الطبيعي والاجتماعي بوتيرة متسارعة .ولا يقتصر أثر هذا التدخل
البشري على التمدن أو التطور الحضري فحسب ،بل يمتد إلى تحولات اجتماعية 150
واقتصادية أوسع قد توّّلد أشكااًلا متعددة من انعدام الأمن .ومن ثم ،بات
من الضروري إعادة النظر في العلاقة بين البيئة والأمن الوطني بوصفها
علاقة مترابطة وأساسية في صياغة السياسات الوطنية.
ويعني ذلك أن استدامة البيئة لم تعد مسألة تنموية فحسب ،بل أصبحت
عنصًًرا جوهرًًيا في منظومة الأمن الوطني .إذ يشّّكل التدهور البيئي ،سواء
كان ناجًًما عن تغير المناخ ،أو نقص الأمن الغذائي والمائي ،أو الكوارث
الطبيعية ،عاماًلا رئي ًًسا في تهديد الاستقرار الوطني .ومن هذا المنطلق،
أصبح تبيّني سياسات أمنية قائمة على مبادئ الاستدامة ضرورة ملّّحة ،بما يعّّزز
القدرة على مواجهة الكوارث الطبيعية والتغيرات المناخية ،ويحّّول استدامة
البيئة من مسؤولية تنموية إلى ركيزة إستراتيجية داعمة للأمن الوطني.
التهديدات البيئية ذات التأثير على الأمن
تشير التقارير الدولية إلى أن الأزمات البيئية لم تعد قضايا محدودة النطاق،
بل أصبحت مرتبطة ارتباً ًطا مباشًًرا بالأمن الوطني والاستقرار العالمي .فقد
أوضح التقرير العالمي للتنبؤ البيئي السابع ( ،)GEO-7الصادر في ديسمبر 2025م
عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة ،أن أزمات المناخ ،وتدمير الطبيعة ،والتلوث،
وأمن الغذاء والمياه ،لم تعد تحديات بيئية فحسب ،بل تحّّولت إلى قضايا ذات
أبعاد أمنية قد تسهم في اندلاع صراعات في مناطق مختلفة من العالم.
ولا يزال تحقيق الأهداف البيئية المتفق عليها دولًًيا ،بما تحمله من فوائد
اجتماعية واقتصادية ،ممك ًًنا ،غير أن نافذة الفرص تضيق بوتيرة متسارعة،
ما يستدعي من الحكومات والمجتمعات تبيّني حلول تحويلية في مجالات
الأنظمة المالية ،وإدارة النفايات ،والطاقة ،والغذاء ،مع إعطاء أولوية واضحة
للاستدامة والمرونة .وعليه ،فإن إدماج البعد البيئي كعنصر أساسي في تحليل
المخاطر الأمنية وصياغة السياسات الوطنية لم يعد خيا ًًرا ثانوًًيا ،بل ضرورة

